ارجعي تحجبي فإنك لم تتحجبي 2

لا لم تعد تلك الطفلة الصغيرة، ولا تلك البنية البريئة. لم تعد ذاك الكائن الحائر الذي يجد نفسه ذات صباح ودون سابق إنذار واقفا على عتبة الشباب، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فلا هو إلى زمرة الصغار ينتمي ولا إلى جمع الكبار ينتهي. لم تعد تلك الفتاة التي لم تكتمل بعد أنوثتها. صارت اليوم غادة في السابعة عشرة من عمرها. أضحت شابة يافعة، منتصبة الهامة، فارعة الطول، كوردة يانعة تستقبل أشعة الشمس في ربيع العمر. هكذا قالت لها المرآة وهي ترقبها طول تلك السنوات.

ما قصة تلك المرآة؟ هي أيضا تغيرت. لم تعد مجرد تحفة فنية ولا عادت ترمز لخال محب قدم لها هدية. بل صارت لزينتها مطية ولنرجسيتها المراهقة حاضنة ذات شأن وأهمية. لم تعد تلك المرآةُ العاجيةُ تحتل الركن الأيمن في غرفتها بل هي تحتل الركن الأساسي في حياتها. تشهد بذلك دقائقها وساعاتها، تلك التي تنفقها أمام مرآتها، تطالع وجهها، تتفحص الهالات السود تحت عينيها إذا ما أسرفت في السهر، تدقق النظر في تلك الحبوب اللعينة التي غزت وجنتها، تصفف شعرها، تجرب تسريحة جديدة تعلمتها من مقطع في اليوتيوب، تحاول تقليد تلك الأمريكية التي فسرت لها كيف تصير نظراتها سهاما مرشوقة في قلوب الرجال. ولها أن تختار بين جموح القطة أو وداعة الغزال. كل ما تحتاج إليه قليل من الكحل وكثير من الصبر وهمة تناطح قمم الجبال. وليت شعري لو أنها صرفت نصف وقتها هذا في مذاكرة دروسها لكنها المراهقة قاتلها الله. وحيث أرادت أن تفتن الآخرين بجمالها افتتنت هي الأولى به وصارت مرآتها محرابا وزينتها طقوسا وتأملاتها صلاة.

ساعات طويلة بذلتها لتخرج في أبهى حلة، لتكون الأجمل في قسمها بل في معهدها بل في المدينة كلها. تجرب الثياب، تضيف الأكسسوارات، تمسك بحقيبة يدها يمينا فشمالا، تمشي كالعارضات، تقف كالعارضات، تنظر شزرا كالعارضات، تلعب دورا كالممثلات. لا هم لها سوى زينتها ومظهرها وكم عبارات إعجاب ستحصدها وكم عيون مسحورة ستشيعها وكم فتى سيخطب ودها ويطلب قربها. إلا أنها …

إلا أنها كانت عفيفة في جوهرها، تحب أن تكون أنيقة وفاتنة الجمال لكن دونما إغراء ولا ابتذال. تعرف بفطرتها السليمة أن خير لباس هو لباس التقوى وخير زينة للفتاة هي الحياء، في حلها وترحالها، في سكوتها وكلامها، في جدها وهزلها. لم تكن تحبذ أبدا تصرفات بعض صويحباتها الماجنة ممن يقصرن ميدعاتهن ويطلقن ضحكاتهن الرنانة في الفضاء. ثم إنها كانت تخاف ربها حين تتذكره، وتعيش في عذاب الضمير، تعلم جيدا أن لباسها على حشمته لا يوافق ما أمر الله به في كتابه. فهذا شعرها منطلق كالحصان الجامح على شاطئ وجهها، وهذا عطرها الفاخر يتبعها حيثما خرجت، وهذا فستانها الأزرق على طوله يصف بعض مفاتنها، فأين هي من لباس التقوى والحياء؟

هكذا أنّبتها المرآة ذات مساء وهي تحاورها…

téléchargement - Copie

Advertisements

ارجعي تحجبي فإنك لم تتحجبي 1

مرآتي يا مرآة، هل أنا أجمل محجبة في البلاد؟

حدجتها المرآة بنظرة ثاقبة كالسهم. وتلبد وجهها بسحب سوداء. تغشتها قشعريرة ثم ثارت كعاصفة هوجاء. وكما البركان الغاضب يطلق حممه الثائرة، صاحت بها المرآة هادرة: ارجعي تحجبي فإنك لم تتحجبي.

فغرت فاها لهول الصدمة، ازدردت ريقها بصعوبة وأرادت أن تنطق فلم تقدر، سمعت الكلمات تجري في دماغها تبحث عن منفذ، تحاول أن تخرج إلى الفضاء الواسع. لكن هيهات. هل فقدت القدرة على الكلام؟ هل ألجمتها وقاحة هذه المرآة المتعجرفة؟

كانت تنتظر منها أن تبتسم في كل لحظة، أن يكون هذا مجرد مزاح ثقيل أو مقلب تقصدت به مباغتتها، لكن صفحة المرآة لاتزال مكفهرة كوجه موظف حكومي في صباح يوم بارد. يا إلاهي هل أنا أحلم؟

“يا نبي سلام عليك، يا رسول سلام عليك، يا حبيب سلام عليك، صلوات الله علي..”

أوقفت المنبه، فركت عينيها وتثاءبت في كسل. إذا كان حلما مزعجا. ويا له من حلم. نظرت إلى مرآتها المنتصبة كالشجرة اليافعة في الركن الأيمن من غرفتها. ليست مرآة ككل المرايا. هي هدية عزيزة من خالها الحبيب. أحضرها لها من إحدى رحلاته التي لا تنتهي إلى أدغال إفريقيا. مرآة رائعة من العاج لونها يستعصي على الفهم. تتذكر جيدا كلماته حين وضعها أمامها:

هذه مرآتك السحرية يا حبيبتي البهية، يا أجمل الجميلات، يا زهرة البنات.

كانت حينها في العاشرة من عمرها. فرحت كثيرا بهدية خالها، أخذت تداعبها وتبتسم في خفر. كانت تودع آخر أيام الطفولة وتدرج نحو سن الشباب. وما هي إلا ثلاث سنوات حتى تغير شكلها وباح جسدها بما كان يخفيه من أسرار الأنوثة والجمال. فقدت براءتها ككل الأطفال السائرين نحو سن الرشد والتكليف. كانت قبل تنظر للمرآة كتحفة جميلة تزين بها غرفتها، كذكرى عزيزة من خال محب. لكنها اليوم وقد بدأت تحس بأنوثتها، اليوم وقد تفتح عقلها على حقائق جديدة وقلبها على عوالم رهيبة صارت تنظر للمرآة نظرة مختلفة تماما…

unnamed

رب ارحمها كما ربتني صغيرة

admin1822291852

بينا أنا عائدة إلى بيتي أمشي الهوينى في ذاك الشارع الطويل إذ لمحت بنت الجيران. تلك الصغيرة ذات الثماني أو التسع سنوات. صرت أعرفها دونما عناء على بعد عشرين مترا رغم أني جديدة في الحي. وكيف لي أن أخطئها؟ تلك التي ترتدي دائما ملابس رثة وتصفف شعرها في شكل ضفيرة تتدلى على ظهرها. تلك التي تركض باسمة ببراءة الطفولة غير عابئة بما يدور حولها أو بصورتها في مرآة الأعين وزجاج النوافذ. هي متواضعة الجمال لكن… لمَ يحز في نفسي دائما أن أراها هكذا؟ هل قلت تصفف شعرها؟ العبارة مبالغ فيها.

أعرف هذي البنية ولا أخطئها لأنها ببساطة مهملة، شعثاء الرأس دائما. ما رأيتها يوما إلا ووجهها القمحي محاط بهالة سوداء، بخصلات شعر متمردة لم تعرف المشط لأيام. كلما صادفتها أحسست بالامتعاض، أليس لها أم حانية ترعاها وتعتني بها؟ أليس لها يد حريصة تصفف لها شعرها؟ أيهملونها لأنها لازالت صغيرة غافلة لا تشعر بعدُ بأنوثتها؟ أتراها يتيمة؟ ولو فرضنا، واجب على من يكفلها أن يمشط لها شعرها ولا يطلقها هكذا في الطريق شعثاء غبراء كذاك الرجل الشعث الذي تفرق شعره فلما رآه سيد الخلق قال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام :

أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره

وقال صلوات ربي عليه:

من كان له شعر فليكرمه

قد لا نختار لون بشرتنا وصفاءها، قد لا نختار حسن وجوهنا وضياءها، قد لا ننتقي نوعية شعرنا أو شكل عيوننا وبهاءها لكننا حتما نختار أن نغسل وجوهنا في الصباح أو نتركها ونختار أن نمشط شعورنا أو نهملها ونختار أن نطهر أثوابنا أو نذرها. وباختصار نحن نختار أن نشكر نعمة الخالق أو نكفرها. نحن نختار الجمال أو القبح. نحن مسيرون في خَلقنا مخيرون في خُلُقنا، في سلوكنا مع أنفسنا، في تعاملنا مع أجسادنا، في سمونا بأرواحنا.

والروح الجميلة تضيق بالجسد الوسخ، ونقاوة القلب تنعكس على طهارة الثوب ونفس المؤمن تهوى الترتيب والجمال وتنفر من الفوضى والإهمال. وكم من طفل وسيم قسيم تراه فتشتهي أن تقبله فإذا رأيت اللعاب يسيل على ذقنه وبقايا طعام تسيح في خده وخطوطا جافة تجمدت تحت أنفه نفرت منه وسخطت على أمه؟ أهذه هي زينة الحياة الدنيا؟

الله خلق كل شيء جميلا و أهدى لنا كونا بديعا فما لنا لا نتفكر؟ وما ذنب الصغار يأتي بهم الكبار إلى الدنيا ثم يهملونهم؟ ألا يبدأ بر الأبناء برعاية كل شؤونهم؟ بحفظ نظافتهم وصون شعورهم؟

والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها

الآن حين ألمح هذه البنية المسكينة أتذكر صيحات المعلمة حين كانت تصرخ بأعلى صوتها في القسم: “أمك امرأة مثالية، أمك تستحق جائزة من عند الرئيس !”

أتدرون لم كل هذا الهتاف؟ فقط لأن أمي لم تكن ترسلنا وأخواتي إلى المدرسة إلا وشعرنا مصفف كأحسن ما يكون وثوبنا نظيف وميدعتنا مكوية. كل هذا وأمي تشتغل داخل البيت راعية وخارجه أستاذة. بل أستاذة وراعية ومربية. كانت ومازالت مجاهدة .هي لا تستحق جائزة من عند الرئيس المسكين الفقير بل إني أرجو لها جزيل العطاء وخير الجزاء من الرزاق الكريم ذي القوة المتين. لأنها كانت راعية ومسؤولة عن رعيتها وأُشهد الله أن أمي أفنت شبابها وصحتها وجل أوقاتها في خدمتنا واتقت الله فينا وأنصفتنا وما كل الأمهات على تلك الدرجة من الإحسان. فيا رب ارحم أمي كما ربتني صغيرة. ولله الحمد من قبل ومن بعد.

وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا

الذي خلقني فهو يهدين (2)

PIC-745-1401642968

أشفق عليها زوجها وأظهر لها من الحنان واللطف ما خفق له قلبها. ثم تركها على مضض وذهب للتسوق وعاد إليها سريعا بما تحبه من طعام وبوردة حمراء وضعها بجانبها وراح يضمها ويدلك جسدها ليدخل عليها بعض الدفء. كان لباسا لها وسكنا لروحها، تفجرت ينابيع المودة والرحمة بينهما. تذكرت تلك العبارات الإلاهية القرآنية الخالدة وتجمعت الدموع في مآقيها. كم أنا أمة ضعيفة، لا حول لي ولا قوة إلا من

الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينْ وَالذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينْ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينْ

بالأمس كنت أتفرعن في البيت وأحوّل حياة زوجي إلى جحيم لأسباب واهية. بالأمس كنت الآمرة الناهية واليوم صرت إلى سقم ووهن. فيا رب أسألك العفو والعافية!

مازالت نفسها مسدودة عن الأكل، هذه البيتزا التي تحبها، فلم تنظر إليها بتوجس؟ يشجعها زوجها فتتناول لقيمات عساهن يقمن عودها ثم تسرع إلى التدثر من جديد والبرد ينخر عظامها. حان وقت صلاة العشاء، خرج زوجها وتركها جالسة ساهمة أمام التلفاز الذي تآمر عليها مع المرض. فأينما قلبت عينيها لم تر إلا فيلما عنيفا أو برنامجا رديئا أو قلة حياء لا مثيل لها. فأين المفر من المرض والرداءة ويوم الأحد؟

كان عليها أن تصبر حتى ينقضي هذا اليوم الثقيل. استجمعت قواها وقامت لأداء الصلاة وهي تتوقع أن يدخل زوجها في كل لحظة. لكنها صلّت الشفع والوتر ولم يأت بعد. استغربت قليلا ثم صبّرت نفسها ولم ترد أن تستسلم لوساوس الشيطان الذي راح ينفث فيها سمومه: ما له كيف يتركك وحدك في هذا الليل البهيم وأنت مسكينة مريضة في أمسّ الحاجة إلى وجوده معك؟ لقد ذهب إلى الصلاة منذ زمن طويل ما له لم يعد إلى الآن؟ أتراه ذهب لعمته؟ فمنزلها قريب من المسجد. لماذا لم يخبرني بذلك؟

 كان بالفعل قد مضى على خروجه ساعة من الزمن، وما بدأ فكرة عابرة صار حقيقة قاهرة، أصبحت مقتنعة أن شيئا ما حصل لزوجها. ولم تملك الاتصال به فقد ترك هاتفه في البيت. هل تعرّض لوعكة صحية يا ترى؟ هل أخرج للبحث عنه دون مشورته؟  هل سأراه ثانية؟ انهمرت الدموع غزيرة من عينيها ولم تملك مدافعتها. ارتجف قلبها، صارت تبكي وتستغيث وتدعو الله أن يعود بزوجها سالما معافى كأنما ذهب للحرب في مكان بعيد… يا رب رُدّ لي زوجي، يا رب قد فهمت الدرس فائتين به ، يا رب سأحسن إليه سامحني ،لا إلاه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمييين! وما إن دعت بدعوة يونس في بطن الحوت حتى سمعت صوت الباب الحديدي الخارجي يُفتح فهرعت إلى الأرض تسجد شكرا لله، لمن يجيب دعوة المضطر إذا دعاه. ولما دخل عليها زوجها لم تكف عن البكاء…

كل ما في الأمر أنه كان عائدا إلى البيت فاعترضه عمه وأكثر من السلام وطويل الكلام ولم يستطع أن يتملص منه إلا بشق الأنفس كما أنه لم يفطن إلى الوقت الذي مر سريعا. كانا يتحادثان على بعد خطوات من البيت … لكنها لم تغضب… لا ليس اليوم. ليس بعد أن فهمت الدرس، صحتك يمكن أن تخسرها في أية لحظة ولا تدري متى تستردها، حبيبك يمكن أن يغيب ولا تدري متى يعود وكم يعيش، فعلام تمشي  في الأرض مرحا؟ إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا.

ْبَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرين

الذي خلقني فهو يهدين (1)

يال هذه المرأة الغريبة العجيبة، دائمة الشكوى، سريعة البكاء. أمضت يومها تنقر نقر الديكة في دماغ زوجها المنهك من أسبوع طويل من العمل. تحوم حوله تطن طنين الذباب، تحبه لكن حبها في ذاك اليوم أعماها. تتفوه بالكلمة لا تلقي لها بالا فتفقده صوابه، وتتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم،

مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ

فتبتسم في جذل كأنما تتلذذ بتلك القوة الجهنمية التي تمتلكها، بذاك اللسان الأخرق والفكر الأحمق.

لكن زوجها نبيل، ذو خلق كريم، هيّن، ليّن، صبور. كثيرا ما يتجاوز عن سيئاتها بل ويستسمحها ثم يأخذها معه إلى حيث تشاء. وفي يومها ذاك خجلت من نفسها وعجبت لما تفوهت به من ترهات فكأنما خُمر عقلها أو عَميت بصيرتها. فجاءت حبيبها تمشي على استحياء وهمست له في تودد: أمازلت تحبني؟

فضمها إليه وقال: طبعا أحبك.

فأردفت: هل أنت راض عني؟

فنظر إليها نظرة المحكوم عليه بالحب والتعب وعيناه تشيان بطيبة قلبه وسماحة طبعه وقال: نامي مرتاحة فأنا راض عنك يا حبيبتي.

ولم تزدها طيبته إلا حبا وولها. وانبرى ضميرها يلومها ويؤنبها حتى خطفها منه نعاس لذيذ.

اليوم يوم جديد، الطقس جميل والشمس ترسل أنوارها الذهبية في زرقة السماء البهية. الفصل شتاء لكن الخروج في هذا الجو الرائق حتم لازم، من لم يصافح جمال الطبيعة فهو آثم. على أن الحسناء النائمة ما إن فتحت عينيها صباحا حتى شعرت بشيء في حلقها، كأن طعام البارحة مازال عالقا فيه. وأحست بمغص في أمعائها فدخلت إلى بيت الراحة ولم ترتح تماما. لكنها آنست في نفسها تحسنا فتناولت فطور الصباح مع زوجها  ثم تهيآ للخروج. سيعودان مريضا وبعدها يأخذها لنزهة في غابة خلابة ثم سيذهبان لشراء لوازم الأسبوع من غذاء وغيره ومن ثمّ يتناولان الغداء في مكان جميل تختاره هي طبعا ويعودان إلى البيت قبيل الغروب.

هكذا شاءت

وما تشاؤون إلا أن يشاء الله

فما إن تركا بيت المريض حتى أحست بالغثيان، فعاد بها زوجها سريعا إلى البيت وهناك استفرغت ما في بطنها ثم استلقت في إعياء على السرير وهي ترتعد من البرد. تعرف جيدا ذاك المرض اللعين. أصبحت على موعد معه في كل عام. يأتيها في يوم واحد بأعراض ثلاثة، يوم لا يُحسب من عمرها لأنها تصير فيه كالخرقة البالية، كل شيء يجهدها حتى الصلاة لا تكاد تؤديها إلا بشق الأنفس. القشعريرة  تسري في أوصالها، تكثر من الثياب وتتدثر بطبقات من الغطاء ولسان حالها يقول زمّلوني زمّلوني لكن البرد يسكن عظمها والوهن لا يكاد يفارقها إلا بعد ليلة نوم عميق. وفي الصباح تحس بضعف طفيف لكنها تغدو معافاة تماما كأن شيئا لم يكن…

large (2)

رفقا بالقوارير

دلفت سنية إلى البيت وشعرها الذهبي يتموج فوق كتفيها وما إن رأت زوجها حتى هتفت به معلنة:

أتعلم؟ لمياء صديقتي قد لبست الحجاب !

لمياء هي حلاقتها وصديقتها المقربة منذ سنين. وهي امرأة عصرية تهتم بأنوثتها وتلبس ما يحلو لها دون أن تقيم وزنا لحلال أو حرام، شأنها شأن الكثيرات اللاتي أغرتهن الحياة الدنيا بمفاتنها لا سيما وأن النساء هن المستهدفات قبل غيرهن من صناع الموضة في الملابس والأحذية  ومنتجي الأكسسوارات والمجوهرات وأرباب الماركات العالمية لأدوات الزينة ومستحضرات التجميل و العطور وغيرها. ومن الطبيعي أن تتجمل المرأة وتتزين ولكن فقط أمام محارمها ودون إفراط ولا تفريط.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا {الأحزاب:59}

 هز الزوج رأسه بتهكم وأردف: يا للخبر الجميل.

فتابعت سنية باسمة بأعين حالمة ونبرة حاسمة:

أنا أيضا سيأتي اليوم الذي ألبس فيه الحجاب، حتما سيأتي بإذن الله.

فأجابها بازدراء:

أحسنت حقا. أنت أصلا عجوز وإذا لبست الحجاب فستصيرين أعجز !

تجمد الدم في عروقها، حدجته بنظرة نارية وعيناها تكادان تخرجان من مآقيهما، ثم صاحت هادرة كالناقة المغتلمة:

ماذا تقول؟ أنا عجوز؟ تزوجتني شابة صغيرة يافعة، قطفتني زهرة غضة يانعة، أنجبت لك من الذكر والأنثى وقمت على رعايتك ورعاية أولادك وتربيتهم، أفنيت عمري وشبابي في خدمتكم والآن صرت عجوزا في نظرك؟ ألا فلتعلم أنني مازلت شابة وباستطاعتي أن ألبس المكشوف وأبدو فيه فاتنة لكنني لا أريد. وإني يوم أقرر أن ألتزم بالحجاب فلن تمنعني لا أنت ولا غيرك. هو قراري وحدي ولا دخل لك فيه! أتفهم؟

وتركته وانكفأت تبكي وتنشج ثم نذرت للرحمان صوما فلم تكلم يومها إنسيا خاصة إذا كان إنسيا اسمه إبراهيم وعمره خمس وخمسون سنة وأنجب منها ولدين وبنتا. صامت عن كلامه أسبوعا كاملا وقلبها يهتز بين ضلوعها ويختلج بمشاعر ما فتأت تعصف بها. كانت ثائرة حانقة غاضبة مجروحة في أنوثتها. كانت تصرخ في أعماقها: ألا يكفي أني أسير حثيثا نحو الخمسين لتذكرني بذلك أيها الزوج الجحود؟ يا عديم الذوق يا ذا الشوك كالقنفود!

جلست ساهمة تطالع وجهها في مرآة الزمن التي لا تكذب. ثم أغمضت عينيها فتراءت لها نفسها شابة في العشرين من عمرها تسرع إلى الجامعة حاملة معها كتبها وابنا كان يتشكل في جسمها. في الأول بدأ كتلة من اللحم تَكوَّر لها بطنها ثم صار فلذة كبد تمشي على الأرض بجنبها، كان رفيق دربها وصديقها. كان ودودا ووقودا لطموحها.

أكملت دراستها واجتازت الامتحانات وابنها يجري معها وزوجها يشجعها ويدفعها. تكللت زروع الصبر والمثابرة بقطوف النجاح الدانية. ثم سرعان ما اقتلعت مكانها في الوظيفة العمومية لكنها لم تتوقف عن الجري. فبعد فراس أتت أميرة وبعد الجامعة حلّت الإدارة ثم إنها كانت تتنقل بين مدينتين وعظمت مسؤولياتها لكنها أبدا لم تغلبها. وكيف لا وهي البنت الكبرى بين اثني عشر ولدا وبنتين؟ دأبت منذ طفولتها على مساعدة أمها في رعاية إخوتها الصغار الذين ما فتأوا يتناسلون وكلهم ذكور. لا تعول عليهم في كنس أو طبخ أو غسيل أو ترتيب. لقد هيأتها الحياة باكرا إلى ما سينتظرها من معادلات صعبة. كانت امرأة مجاهدة مثابرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وهي إلى يوم الناس هذا تنهض في الخامسة صباحا فتتناول فطورها ثم تتهيأ فتلون وجهها بألوان المساحيق وتصفف شعرها الذي جربت عليه شتى أنواع الصبائغ وتحرص على اختيار الألوان المتناسقة مع ثيابها ثم تجهز أصغر أولادها وتحمله إلى جارتها. وأخيرا تسرع الخطى لتلحق بالسيارة التي تحملها ونفر من جيرانها إلى المدينة للعمل. فوسائل النقل شبه منعدمة في قريتها المتمدنة. وغالبا ما تكون أول الواصلين إلى الإدارة المتلكئة.

هذه هي حياتها التي بذلتها في خدمة عائلتها … عادت إلى المرآة تطالعها وهالها ما رأته من تجاعيد على جبينها وفي زوايا فمها وكبر عليها منظر الهالات السوداء تحت عينيها وتذكرت ما يقال من أن الإفراط في استعمال مساحيق التجميل يسرّع عمل الزمن ويصيب الجلد بالترهل واسودت الدنيا في عينيها… ولم تسود لأنها ابتُليت بزوج وَخَطَه الشَيبُ وهو لا يعرف صلاة ولا يُقرُّ حجابا بل يقرنه بالقبح والهرم وينكر معلوما من الدين بالضرورة …

unnamed

واغضض من صوتك

يوم الجمعة الفارط أردت أن أحس بأني مسلمة في بلد مسلم، أردت أن أعيش عيد المسلمين، أن أحيا بالدين، أن أُحيِيَ في يومي هذا السنة المطهرة: غُسل ونظافة ثوب، ذكر وطهارة قلب، دعاء يقربني من الرب، تسبيح واستغفار وكثرة صلاة على النبي المختار. أردت أن أعيش يوم الجمعة رغم أني في بلد لا يحفل بيوم الجمعة. فعيد المسلمين شأنه شأن يوم الإثنين أو الخميس، هو يوم عمل دنيوي. أما العطلة فقد بذلناها هدية لأعياد اليهود والنصارى: السبت والأحد، إنا حيارى هل من مدد؟

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس!

كان هناك مسجد يُشاع أنه قبلة “السلفيين”، يأتونه من كل حدب وصوب، حتى أنهم يجتازون من أجله الجسر المتحرك للمدينة. وبسبب قربه من مكان عملي فقد تعودت الذهاب لأداء صلاة الظهر فيه وألِفَت قدماي الطريق المفضي إليه. زقاق ضيق لا يكاد يتسع إلا لسيارة واحدة، حي شعبي ومحلات متواضعة. منازل عتيقة بأبواب خشبية متينة تُنبأ عن زمن لم تكد تُأتى فيه البيوت إلا من أبوابها، لا من ظهورها ولا من أسطحها! قرد بائس ينط في قفص ضيق وجرو وكلب “كنيش” رماديا اللون، كلون الجدران، كلون الأرض، كلون السماء.

أعجبني هذا المسجد الذي لم تعرف حيطانه طلاء غير لون الاسمنت وأرضه فُرُشا غير الحُصر الخشنة. أعجبني شعوري فيه بالطمأنينة والتركيز. حسن ربما لأني خيّرت الانفراد بالصلاة في الطابق العلوي إذ أن الهواء في الطابق السفلي لا يطاق، رائحة عفن كريهة تعم المكان، فكيف تجلس فيه هاته النسوة ويتلون القرآن؟!

ومما راقني في هذا المسجد أيضا أنك لا تسمع إلا صوت الإمام عند الانتقال من حركة إلى حركة. فلا يأتيك صوت ثان يشوش عليك صلاتك على غرار ما عايشته في مساجد أخرى. حتى أني أذكر مسجدا بالخصوص عانيت فيه من هذه الظاهرة الذميمة التي لا أعلم لها أصلا في القرآن ولا في السنة. فإذا ما قال الإمام “الله أكبر” معلنا السجود، سمعنا صوتا ثانيا يكررها ويمططها متخذا في ذلك نغمة غريبة منكرة، مفوتا علينا فرصة التركيز والخشوع في أقرب موضع نكون فيه من ربنا. فسبحان الله، أهكذا تكون الصلاة؟! أنى للناس الاطمئنان وهذا الصوت لا يفتأ يُبدئ ويعيد؟ يكرر ويزيد؟ حقا تخلصت من تشويشه في هذا المسجد!

مسجد سمعت عنه الكثير فصرت أتشوّف لحضور صلاة الجمعة فيه. وهو أمر قد جربته مرات قليلة في مساجد متفرقة وفي كل مرة أندم وأرثي لحال الرجال. فيال الخطب الهزيلة ويال البعد عن مشاغل الناس كأن واجب الإمام هو فقط التذكير بالحلال والحرام، دونما خوض في هموم الأمة وما ألمّ بها من جروح وآلام. ثم يا لثقافة الصياح، الحق لا يحتاج إلى صياح، ألا يكفيك مكبر الصوت؟ أين الإحسان في مساجدنا؟ ما لهذه الأمة لا تعرف إلا الصياح في الأفراح والأتراح، في المقابر و في الملاعب و في الشوارع وعلى المنابر؟! فلنسمع لقول الله جل في عُلاه:

واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير

طفق الإمام يصيح هادرا متحدثا عن خطر الشائعات وأتى بأمثلة لا يجهلها إلا معلوم الجهل بالدين وبتاريخ الأولين. أمثلة كغزوة أحد وحديث الإفك وغيرها، شواهد وحوادث لا تغني ولا تسمن من جوع للعلم واستزادة في الخير. مواقف تاريخية خالدة كان من المفترض أن نتعلمها صغارا ونعمل بها كبارا لكنه الاستعمار قاتله الله!

أعلم أن من الحضور من هو أمّي القراءة والكتابة ومن هو أمّي الفكر والثقافة ومن هو بسيط العقل قليل النباهة، أعلم أن خطبة الجمعة لا بد أن ينتفع بها الناس على اختلاف أعمارهم ومشاربهم ومداركهم. لكن النفس تواقة لخطبة تهزها، لمعلومة جديدة تضيفها كلؤلؤة نفيسة في عقدها، لآية تسمع أول مرة تفسيرها، لحديث لم يدر قبل في خلدها. كم نحن بحاجة لكلمات كَسَنا البرق تضيئ ظلام قلوبنا، تقض مضاجعنا، توقظنا من غفلتنا. أما الصياح فلا حاجة لنا به، فمكبر الصوت يصيح بمهارة يصعب مجاراتها، أما البلاغة والحكمة والفصاحة، أما الإبانة والكياسة فقد صارت بضاعة ثمينة وغاية عزيزة، وكل من هب ودب يُنصّب نفسه إماما وهو لا يجيد فنون الخطابة بل قد يخطئ في أحكام التجويد، بل قد لا يصلح صوته للتلاوة لكنه زمن الرداءة وقد جاد الفقير بما عنده!